زراعة الأعضاء

posted in: Uncategorized | 0

إن حياة الإنسان لا تنطفئ دفعة واحدة ، كما تنطفئ الشمعة ، بل هو يتساقط قطعًا . فكما أن السيارة لا تتعطل كلها دفعة واحدة بل تتعطل قطعة بعد قطعة فيضطر الميكانيكي إلى استبدال تلك القطع بأخرى جديدة مرة بعد مرة لتعود السيارة إلى استئناف عملها . كذلك الإنسان تتعرض أعضاء جسمه إلى التعب فالإرهاق والهلاك ، والتآاكل يصيب الأعضاء مع مرور السنين و تقدم العمر . فهل يمكن استبدال ما تلف من هذه الأعضاء ليتجدد بذلك نشاط الإنسان ، ويعود إلى ممارسة حياته كما كان يفعل من قبل ؟!

انكب الباحثون والعلماء منذ مطلع هذا القرن على دراسة هذا الموضوع ، فقاموا بتجارب كثيرة على الحيوانات ، فكانت نتائجها مشجعة مما دفع بالأطباء الجراحين الدخول إلى هذه الميدان الجراحي الجديد ، يساعدهم على ذلك ، التطور الكبير الذي طرأ على جراحة الشرايين ، والأوردة ، والأعصاب ، بالإضافة إلى التقدم الملحوظ في عالم التخدير ، ونقل الدم ، واكتشاف الكورتيزون ، والايموران و سيكلوسبورين أcyclosporine A وغيرها من المواد التي تؤثر في دفاع الجسم ومناعته .

فبالإضافة إلى الصعوبة التقنية التي كانت تواجه أعمالًا جراحية مثل هذه ، كانت الظاهرة الفيزيولوجية المعروفة باللفظ أو الرفض Rejection عائقًا منيعًا حال – ولا يزال يحول في بعض الأحيان – دون القيام بهذه العمليات على نطاق واسع .

أما الصعوبات التقنية ، فقد تغلبت عليها أساليب الجراحة الحديثة والمتطورة باستمرار . وأما ظاهرة الرفض فلا تزال تشكل تحديًا ملموسًا لعمل زراعة الأعضاء ، إذ أن جسم الأنسان مكون بشكل متناسق ، تنسجم فيه وظائف الأعضاء إلى أقصى حدود الإنسجام ، وقد زوّده الخالق بعناصر دفاعية قوية تهبُّ تلقائيًا لدحر العضو الجديد البديل أو المزروع ، ثم تعمل فيه تنكيلًا حتى يلفظه الجسم .

وعملية الرفض هذه تخف أو تزيد تبعًا لطبيعية العضو المزروع ، فهي تبلغ أقصى درجات القوة ، إذا كان العضو المزروع مأخوذًا من حيوان فيرفضه الجسم الإنساني فورًا ولا يتاح للعضو الجديد سبب من أسباب الحياة . أما إذا كان العضو المزروع مأخوذًا من إنسان فظاهرة الرفض تكون قوية جدّا أيضًا إلا أنها لا تبلغ من العنف الدرجة التي تقابل بها العضو المأخوذ من الحيوان .

وأما إذا كان الزرع بين توأمين كنقل كُلية من توأم إلى آخر ، فإن الرفض يكون أخف وطأة ، ثم يمكن السيطرة عليه بأوجه من العاج و بأنواع من العقاقير تسلعد العضو المنقول على الحياة في الجسم الجديد .

1- التحضير للزرع

إن الدراسات المخبرية ، والدموية ، ومعرفة زمر الدم – وقد تطوّرت هذه كلها في أيامنا الحاضرة – ساعدت كثيرًا على التخفيف من نسبة الرفض ، وعلى زيادة نسبة النجاح في زرع الأعضاء .

إن تناسب الأنسجة Tissue matching أمر ضروري يجب التنبه له عند الشخصين اللذين يراد نقل العضو المعين من أحدهما إلى الآخر ، كما أن من الضروري أيضًا معرفة التناسب في كريات الدم البيضاء عند الشخصين المذكورين . إن هذه الكريات بفصائلها المتعددة ، تقوم بدور بالغ في شأن الرفض أو القبول .

2- عوامل الرفض

لنبدأ بمثل قريب هو ترقيع الجلد أو زرعه .

إن الحروق الشديدة من الدرجة الثالثة ، تتطلب استئصالًا لمساحاتٍ كبيرة من الجلد ، فيبقى اللحم الذي كان تحتها عاديًا ةمعرضًا لكثير من أنواع الميكروبات أو الجراثيم ، بالإضافة إلى استحالة التحام هذه الجروح تلقائيًا ، فيعمد الأطباء عندئذ إلى استعمال القشرة السطحية لجلد إنسان آخر أو بشرته لتغطية هذه المساحات الكبيرة المكشوفة .

ماذا يحدث بعد زرع الجلد الجديد ؟

– تهب الكريات البيضاء في جسم المتلقي زاحفة بأعداد كثيفة نحو المنطقة التي احتلها ذلك الجسم الغريب ، فتقطع عنه التروية الدموية ، وتنزل به فتكًا فيتورم ويتقبّب ، ثم تبدأ تلك الرقعة بالتآكل وتموت تدريجيًا في أيام معدودة .

فإذا أعيدت الكرة ، تعاظم الرفض ، والكريات البيضاء تتوزع إلى فصائل كثيرة ، ولكل فصيلة وظيفة معينة ، فمنها ما يعلب دورة الذاكرة أو المنبه Memory cells ، ومنها ما يؤلف قوات الزحف نحو العضو الغازي ، ومنها ما يتكاثر لابتلاع فضلات المركة . وهناك أيضًا الصفائح الدموية التي تتجند لتخثير الدم في الأوعية الدموية التي تقوم بتروية المنطقة الجديدة ، فتقطع عنها المورد الأساسي للغذاء ، وتساهم بالتالي في القضاء عليها ، كما أن الأوعية الدموية تتشنج وتضيق تحت تأثير السيروتونين Serotonine ، وهي مواد هرمونية يفرزها الجسم المضيف او المتلقي .

أضف إلى ذلك أن العضو المنقول يحمل في طياته مولّد المضادّ Antigen الذي يولّد في جسم المتلقّي مضادات Antibodies تدخل مع خصومها في معركة شرسة تشارك فيها عناصر الدفاع الأخرى لتقضي على العضو الجديد .

إن ردات الفعل المجتمعة هذه ، ضد العضو المزروع تشكل ما يسمى بالمناعة الجسدية Immune response ، لهذا انكبّ العلماء على دراسة جميع هذه التفاعلات وكيفية التغلب عليها لتأمين الحياة للعضو المزروع ، وللتخفيف أو القضاء على ظاهرة الرفض هذه ، فنجحوا إلى حد بعيد ، مما رفع من نسبة نجاح زرع الأعضاء ، وساعدهم على ذلك التقنية الجراحية التي بلغت – كما ذكرنا – حدًّا متقدمًا جدًّا .

3- زرع الأعضاء

أ- زرع الجلد

يُلجأ إلى زرع الجلد مع الشعر لتغطية النقص الحاصل نتيجة الحروق أو الجروح ، وخاصة في جلدة الرأس والحاجبين ، كما يستعمل في إعادة تكوين المريء والمهبل ، وأكثر ما يستعمل في حالات الحروق .

ويزرع الشعر أيضًا في حالات الصلع .

إن كل هذه العمليات القائمة على هذا النوع من الزرع تؤدي إلى نتائج طيبة .

ب- زرع الأوعية الدموية

تستخدم الأوردة Veins في عدد كبير من عمليات النقص في التروية ، حينما يكون السبب في ذلك مرض في الشرايين و خصوصًا في القلب وفي الأطراف ، وتقوم الأوردة بدور الشرايين بلا مضاعفات .

ج- زرع الأوتار

يجري زرع الأوتار يوميًا في عمليات رتيبة ( روتينية ) وخصوصًا أوتار الأصابع الأساسية التي تكون قد أصيبت ، وفُقد جزء منها ، وفي هذه الحالة يلجأ الجراح إلى قطع جزء من وتر ثانوي في الساعد ويزرعه مكان الوتر المفقود في الأصبع .

د- زرع الأعصاب

وتزرع الأعصاب في حالات معينة وخصوصًا عند إصابة الأعصاب المحركة Motor nerve .

ه- زرع قرنية العين

زرع القرنية هو من أكثر عمليات الزرع شيوعًا . ولكن يجب أن تؤخذ القرنية البديلة من عين ميت لم ينقضِ على وفاته أكثر من ساعة . ويجب أن تحفظ العين كلها في سائل البرافين في حرارة بين ثلاث و خمس درجات مئوية ( بمقياس سلزيوس ) على أن تقطع القرنية منها لحظة إجراء عملية الزرع .

و- زرع العظام

يؤخذ العظم الطري Cancellous bone من عظام الحوض في أغلب الأحيان ، ويزرع في مكان الكسور العظمية المتباعدة ، فتساعد في التكلّس و في خلق مادة عظمية جديدة تؤمن الالتحام السريع والشفاء التام لتلك الكسور العظمية .

ز- زرع النخاع الشوكي

يُلجأ إلى هذا النوع من الزرع عند تلف النخاع الشوكي بتأثير مواد الشعاعية أو العقاقير السامة أو في حالات سرطان النخاع الشوكي الحادة . وقد أُجريت هذه العملية بنجاح بين التوائم المتشابهة ، واستطاع النخاع الشوكي المزروع أن يقوم بوظيفته ويعوض عن تلف النخاع الشوكي المصاب .

ح- زرع الجهاز الهضمي

الجهاز الهضمي ميدان واسع لعمليات الزرع المختلفة ، وللتبديل في مجرى أقسام منه التي تتطلبها حالات جراحية عديدة . من ذلك مثلًا جعل قسم من الأمعاء مثانةً أو مهبلًا في حال استئصالها لسبب من الأسباب .

ط- زرع الكبد

تشكل عملية زرع الكبد تحديًا كبيرًا للتقنية الجراحية ، نظرًا لحجم هذا العضو الكبير ولدقة هذه العملية . تجري هذه العملية في حالات معينة وبشروط قاسية في مراكز طبية كبيرة متخصصة في مثل هذا العمل الجراحي الخطير .

وقد أجرى الأطباء في ولاية كولورادو ( بالولايات المتحدة الأمريكية ) أكثر من مئة و ست عمليات بنجاح نسبي ، إذ عاش سبعة وعشرون ممن أجريت عليهم العملية سنة كاملة بعد العملية . وعاش نحو ستة عشر منهم سنتين . وقد عاش واحد منهم فقط ست سنوات . كما تجري حاليًا عمليات لزرع الكبد في جامعة بنسلفانيا في بتسبورغ .

إن ضآلة النجاح في هذه العملية تعود إلى أسباب عديدة منها الرفض و التسمم والاختلاطات أو الاشتراكات الصفراوية و القلبية و الرئوية . وما تزال العمليات جارية في بتسبورغ في بنسلفانيا في الولايات المتحدة بنجاح مطرد مذللة الكثير من المصاعب .

ي- زرع القلب

باتت عمليات زرع القلب تجري بنجاح نسبي . ومنذ أن أجرى الدكتور برنارد العملية الأولى في العالم لزرع القلب سنة 1976 ، أُجري نحة ثلاثمئة و خمسين عملية حتى سنة 1978 .

ك- زرع الكلية

الكلية هي أكثر أعضاء الجسم الكاملة زرعًا . وقد كانت أول عملية أجريت بنجاح عام 1951 ، إذ قام بها الجراح هيوم Hume فنقل كلية من مَيْتٍ و زرعها في جسم مريض ظل على قيد الحياة ستة أشهر .

ثم جاء بعده الجراح موراي Murray الذي نقل كلية أحد توأمين ، وزرعها في داحل التوأم الآخر ، فكانت أول عملية زرع بين الأحياء .

Leave a Reply